يحيى بن معاذ الرازي
87
جواهر التصوف
يتناول غداءه ، فوقف عليه قوم يعرفهم ، فلم يدعهم إلى الطعام ، وبعد أن انتهى منه نظر إليهم قائلا : « إن الطّعام كان قليلا ، فلو دعوتكم لمشاركتى فيه لقلّ نصيبي منه ، ولقلّ تبعا لذلك جهدي فلا أستطيع توفية أصحاب الحائط حقّهم من العمل . . . » فهو هنا ترك مكرمة الضيافة حرصا على حقوق الآخرين . . فترك فضيلة لا يأثم تاركها للقيام بواجب يأثم إذا أهمل فيه . . فالعاقل من يحرص على ما ينفعه في دنياه وفى أخراه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم . * * * 120 « علامة من اتّقى اللّه ثلاث خصال : من آثر رضاه ، وقارن تقاه ، وخالف هواه * من آثر رضاه : أي آثر رضا الله على رضا نفسه ؛ فحمل نفسه على طاعة مولاه ، ولم يحقق لها رغباتها إلا من خلال منهج الله . * وقارن تقاه قارن : أي صاحب ولازم . . أي أنه اتقى الله في كل الأمور وفي جميع أحواله ، يلازم التقى ، ويبحث عن الحلال ، وما يرضى الله ، ويتجنب الحرام في كل أموره ، في حال عسره ويسره ورضاه وغضبه . * وخالف هواه . . يقول رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » . ويقول أبو نعيم : « خالف هواه : يعنى فيما يبعده عن الله وينقصه حظّ الجزاء ، ويقول البوصيري رحمه الله : وخالف النّفس والشّيطان واعصهما * وإن هما محّضاك النّصح فاتّهم * * * 121 - اتق على جراب إيمانك لا يقرضه الفأر . » [ الحلية : 10 / 54 ] * رجّح جمهور الأشاعرة القول بأن إيمان الأمة إنسا وجنّا يزيد وينقص ؛ يزيد بالطاعات وينقص بالمخالفات ؛ فالعمل عند أهل السنة من كمال الإيمان . . وكأني بشيخنا يحيى بن معاذ رحمه الله يحذّرنا من ارتكاب الصغائر والهفوات ، والتهاون فيها ؛ فإنها تستنزف الإيمان شيئا فشيئا كما أنها قد تجر إلى الكبائر والعياذ بالله ، وذهاب الإيمان . . ولعل هذا يفسّر لنا ما روى عن الإمام على : « من ملك زادا وراحلة تبلّغه إلى بيت الله الحرام ولم يحجّ ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا » رواه الترمذي مرفوعا بزيادة « وذلك أن الله تعالى يقول وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا . » ووصفه بالغرابة ، والموقوف على علىّ أصح . * * *